ابن خلدون

421

تاريخ ابن خلدون

أهل الأندلس حتى إذا تقلص ظل الدولة الموحدية بعض الشئ وتراجع أمر الحضارة والترف بتراجع العمران نقص حينئذ حال الخط وفسدت رسومه وجهل فيه وجه التعليم بفساد الحضارة وتناقص العمران وبقيت فيه آثار الخط الأندلسي تشهد بما كان لهم من ذلك لما قدمناه من أن الصنائع إذا رسخت بالحضارة فيعسر محوها وحصل في دولة بني مرين من بعد ذلك بالمغرب الأقصى لون من الخط الأندلس لقرب جوارهم وسقوط من خرج منهم إلى فارس قريبا واستعمالهم إياهم سائر الدولة ونسي عهد الخط فيما بعد عن سدة الملك وداره كأنه لم يعرف فصارت الخطوط بإفريقية والمغربيين مائلة إلى الرداءة بعيدة عن الجودة وصارت الكتب إذا انتسخت فلا فائدة تحصل لمتصفحها منها إلا العناء والمشقة لكثرة ما يقع فيها من الفساد والتصحيف وتغيير الاشكال الخطية عن الجودة حتى لا تكاد تقرأ إلا بعد عسر ووقع فيه ما وقع في سائر الصنائع بنقص الحضارة وفساد الدول والله أعلم الفصل الحادي والثلاثون في صناعة الوراقة كانت العناية قديما بالدواوين العلمية والسجلات في نسخها وتجليدها وتصحيحها بالرواية والضبط وكان سبب ذلك ما وقع من ضخامة الدولة وتوابع الحضارة وقد ذهب ذلك لهذا العهد بذهاب الدولة وتناقص العمران بعد أن كان منه في الملة الاسلامية بحر زاخر بالعراق والأندلس إذ هو كله من توابع العمران واتساع نطاق الدولة ونفاق أسواق ذلك لديهما فكثرت التآليف العلمية والدواوين وحرص الناس على تناقلهما في الآفاق والاعصار فانتسخت وجلدت وجاءت صناعة الوراقين المعانين للانتساخ والتصحيح والتجليد وسائر الأمور الكتبية والدواوين واختصت بالامصار العظيمة العمران وكانت السجلات أولا لانتساخ العلوم وكتب الرسائل السلطانية والاقطاعات والصكوك في الرقوق المهيأة بالصناعة من الجلد لكثرة الرفه وقلة الرسائل السلطانية والصكوك مع ذلك فاقتصروا على الكتاب في الرق تشريفا للمكتوبات وميلا بها إلى الصحة والاتقان ثم طما بحر التآليف والتدوين وكثر ترسيل السلطان وصكوكه وضاق الرق عن ذلك فأشار الفضل بن يحيى بصناعة